شبكة منتديات المقاطرة

هلا وغلا ......
مرحبا بضيوفنا عدد ما خطته الأقلام من حروف
وبعدد ما أزهر بالأرض زهور
مرحبا ممزوجة .. بعطر الورد .. ورائحة البخور
.. منتدى شباب المقاطرة...

المنتدى الرسمي لشباب وقبائل المقاطرة وعموم ابناء اليمن الكرام للتواصل والتعارف فيما بينهم


    الحكمة من خلق الشيطان

    شاطر
    avatar
    سمراء العيون
    نائبة المدير العام
    نائبة المدير العام

    الاوسمه















    عدد المساهمات : 1287
    نظام نقاط : 17200
    تاريخ التسجيل : 02/02/2011

    منقول الحكمة من خلق الشيطان

    مُساهمة من طرف سمراء العيون في 28th أبريل 2011, 9:36 pm






    الشيطان منبع الشرور والآثام ، فهو القائد إلى الهلاك الدنيوي والأخروي ، ورافع الراية في كل وقت ومكان ، يدعو الناس إلى الكفران ، ومعصية الرحمن ، فهل في خلقه من حكمة ؟ وما هذه الحكمة ؟





    أجاب عن هذا السؤال ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (1) : " في خلق إبليس وجنوده من الحكم ما لا يحيط بتفصيله إلا الله " .




    فمن ذلك :


    1- ما يترتب على مجاهدة الشيطان وأعوانه من إكمال مراتب العبودية :

    فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه ، ومخالفته ومراغمته في الله ، وإغاظته وإغاظة أوليائه ، والاستعاذة به منه ، واللجوء إليه أن يعيذهم من شرّه وكيده ، فيترتب على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه ... والموقوف على الشيء لا يحصل بدونه .

    2- خوف العباد من الذنوب :

    ومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعدما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه ، وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم ، ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك ، حصلت لهم عبودية أخرى للرب تعالى ، وخضوع آخر ، وخوف آخر ، كما هو المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ ، وهم يشاهدونه ، فلا ريب أن خوفهم وحذرهم يكون أشد .

    3- جعله الله عبرة لمن اعتبر :

    ومنها أن الله جعله عبرة لمن خالف أمره ، وتكبر عن طاعته ، وأصرّ على معصيته ، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه ، أو عصى أمره ، ثم تاب وندم ورجع إلى ربه ، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب ، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصرّ وأقام على ذنبه ، وهذا الأب عبرة إن تاب ورجع إلى ربه ، فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة ، والآيات الظاهرة .

    4- جعله فتنة واختباراً لعباده :

    ومنها أنّه محك امتحن الله به خلقه ، ليتبين به خبيثهم من طيبهم ، فإنه – سبحانه – خلق النوع الإنساني من الأرض ، وفيها السهل والحزن ، والطيب والخبيث ، فلا بد أن يظهر ما كان في مادتهم ، ففي الحديث عن أبي موسى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جمع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، منهم الأحمر والأبيض والأسود ، والسهل والحـزن ، والطيب والخبيث ) .رواه أحمد والترمذي وأبو داود (2) .

    فما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق منها ، فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره ، فلا بدّ إذاً من سبب يظهر ذلك ، وكان إبليس محكّاً يميز به الطيب من الخبيث ، كما جعل أنبياءه ورسله محكّاً لذلك التمييز ، قال تعالى : ( مَّا كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتَّى يميز الخبيث من الطَّيب ) [ آل عمران : 179 ] ، فأرسل رسله إلى المكلفين ، وفيهم الطيب والخبيث ، فانضاف الطيب إلى الطيب ، والخبيث إلى الخبيث .

    واقتضت حكمته البالغة أن خلطهم في دار الامتحان ، فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم ، وجعل لهؤلاء داراً على حدة ، ولهؤلاء داراً على حدة ، حكمة بالغة ، وقدرة باهرة .

    5- إظهاره كمال قدرته سبحانه بخلق الأضداد :

    ومن هذه الحكم أن يظهر كمال قدرته بخلق الأضداد ، مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين ، وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه ؛ فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض ، والضياء والظلام ، والجنة والنار ، والماء والنار ، والحر والبرد ، والطيب والخبيث .

    6- الضد يظهر حسنه الضد :

    ومن هذه الحكم أنَّ خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده ، فإنَّ الضد إنما يظهر حسنه بضده ، فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل ، ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنى .

    7- الابتلاء به إلى تحقيق الشكر :

    ومن هذه الحكم أنه سبحانه ، يحبّ أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه ، ولا ريب أن أولياءَه نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده ، وامتحانهم به من أنواع شكره ، ما لم يكن ليحصل لهم بدونه ، فكم بين شكر آدم وهو في الجنة ، قبل أن يخرج منها ، وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه ، ثم اجتباه ربه ، وتاب عليه وقبله .

    8- في خلق إبليس قيام سوق العبودية :

    ومنها أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه ، وهذه العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله، وتقديم محبته على كل ما سواه فالجهاد ذروة سنام العبودية ، وأحبها إلى الرب سبحانه ، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصي حكمها وفوائدها ، وما فيها من المصالح إلا الله .

    9- وترتب على ذلك ظهور آياته وعجائب قدرته :

    ومن هذه الحكم أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم ، من تمام ظهور آياته ، وعجائب قدرته ، ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من عدمه ، كظهور آية الطوفان ، والعصا ، واليد ، وفلق البحر ، وإلقاء الخليل في النار ، وأضعاف ذلك من آياته ، وبراهين قدرته ، وعلمه ، وحكمته ، فلم يكن بُدّ من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك .

    10- الخلق من النار آية :

    ومن هذه الحكم أن المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد ، وفيها الإشراق والإضاءَة والنور ، فأخرج منها – سبحانه – هذا وهذا ، كما أنّ المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث ، والسهل والحزن ، والأحمر والأسود والأبيض ، فأخرج منها ذلك كله حكمة باهرة وقدرة باهرة ، وآية دالة على أنه ( ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير ) [ الشورى : 11 ] .

    11- ظهور متعلقات أسمائه :

    ومن هذه الحكم أن من أسمائه الخافض الرافع ، المعزِّ المذِّل ، الحكم العدل ، المنتقم ، وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها أحكامها ، كأسماء الإحسان والرزق والرحمة ونحوها ، ولا بدّ من ظهور متعلقات هذه وهذه .

    12- ظهور آثار تمام ملكه وعموم تصرفه :

    ومن هذه الحكم أنه سبحانه الملك التام الملك ، ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب ، والإكرام والإهانة والعدل ، والفضل والإعزاز والإذلال ، فلا بدّ من وجود من يتعلق به أحد النوعين ، كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر .

    13- وجود إبليس من تمام حكمته تعالى :

    ومن هذه الحكم أن من أسمائه الحكيم ، والحكمة من صفاته – سبحانه – وحكمته تستلزم وضع كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ، فاقتضت خلق المتضادات ، وتخصيص كل واحد منها بما لا يليق به غيره من الأحكام والصفات والخصائص ، وهل تتم الحكمة إلا بذلك ؟ فوجود هذا النوع من تمام الحكمة ، كما أنه من كمال القدرة .

    14- حمده تعالى على منعه وخفضه :

    ومنها أن حمده – سبحانه – تام كامل من جميع الوجوه ، فهو محمود على عدله ومنعه ، وخفضه ورفعه ، وانتقامه وإهانته ، كما هو محمود على فضله وعطائه ، ورفعه وإكرامه ، فله الحمد التام الكامل على هذا وهذا ، وهو يحمد نفسه على ذلك كله ، ويحمده عليه ملائكته ، ورسله وأولياؤه ، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم ، وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه ، فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة ، كما له عليه الحمد التام ، فلا يجوز تعطيل حمده ، كما لا يجوز تعطيل حكمته .

    15- وبخلقه يظهر الله لعباده حلمه وصبره :

    ومنها أنه – سبحانه – يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره ، وأناته ، وسعة رحمته ، وجوده ، فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ، ويضاده في حكمه ، ويجتهد في مخالفته ، ويسعى في مساخطه ، بل يشبهه سبحانه وتعالى ، وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات ، ويرزقه ، ويعافيه ، ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم ، ويجيب دعاءَه ، ويكشف عنه السوء ، ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءَته ، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد .

    ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع كمالاته ، كما في الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ) . متفق عليه (3) .

    وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ، ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته ، وأمّا شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولداً ، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفواً أحد ) . رواه البخاري (4) .

    وهو سبحانه مع هذا الشتم له ، والتكذيب له ، يرزق الشاتم المكذب ، ويعافيه ، ويدفع عنه ، ويدعوه إلى جنته ، ويقبل توبته إذا تاب إليه ، ويبدله بسيئاته حسنات ، ويلطف به في جميع أحواله ، ويؤهله لإرسال رسله ، ويأمرهم أن يلينوا له القول ، ويرفقوا به .

    قال الفضيل بن عياض : " ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل – جلّ جلاله – مَن أعظم مني جوداً ، الخلائق لي عاصون ، وأنا أكلؤهم في مضاجعهم ، كأنهم لم يعصوني ، وأتولى حفظهم ، كأنهم لم يذنبوا ، أجود بالفضل على العاصي ، وأتفضل على المسيء .

    من ذا الذي دعاني فلم ألبه ؟ من ذا الذي سألني فلم أعطه ؟

    أنا الجواد ومني الجود ، أنا الكريم ومني الكرم ، ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني ، وأعطيه ما لم يسألني ، ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني ، فأين عني يهرب الخلق ، وأين عن بابي ينتحي العاصون ؟ " .

    وفي أثر إلهي : ( إني والإنس والجن في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ) .

    وفي أثر حسن : ( ابن آدم ما أنصفتني : خيري إليك نازل ، وشرّك إلي صاعد ، كم أتحبب إليك بالنعم ، وأنا غني عنك ، وكم تتبغض إلي بالمعاصي ، وأنت فقير إلي ، ولا يزال المَلَكُ الكريم يَعْرُج إلي منك بعمل قبيح ) .

    وفي الحديث الصحيح : ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون ، فيغفر لهم ) .

    16- خلق الله خلقه بحيث يظهر فيهم أحكام أسمائه وصفاته وآثارها :

    فالله سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده ، وحكمته أن يخلق خلقاً يظهر فيهم أحكامها وآثارها ، فلمحبته للعفو خلق من يحسن العفو عنه ، ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له ، ويحلم عنه ، ويصبر عليه ، ولا يعاجله ، بل يكون يحب أمانه وإمهاله .

    ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته ، ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءَة والعصيان ، وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان ، فلولا خلقه من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات ، لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها ، فتبارك الله رب العالمين ، وأحكم الحاكمين ، ذو الحكمة البالغة ، والنعم السابغة ، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته ، وله في كل شيء حكمة باهرة ، كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات .

    17- ما حصل بسبب وجود الشيطان من محبوبات للرحمن :

    فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب ، المسخوط له من محبوب له تبارك وتعالى ، يتصل في حبه ما حصل به من مكروه ، والحكيم الباهرالحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه ، إذا كان طريقاً إلى حصول ذلك المحبوب . ووجود الملزوم بدون لازمه محال .

    فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من الشرور والمعاصي ما حصل ، فكم حصل بسبب وجوده ، ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ، ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ، ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته ، وأحبّ شيء للحبيب أن يرى محبّه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته .

    من أجلك قد جعلت خدي أرضا ××× بغيتي للشامت والحسود حتى ترضى

    ومن أثر إلهي : ( بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي ) ، فالله ما أحب إليه احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه ، وفي مرضاته ، وما أنفع ذلك الأذى لهم ، وما أحمدهم لعاقبته ، وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به ، ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة ، أو يدخلوا من هذا الباب ، أو يذوقوا من هذا الشراب .

    قل للعيون العمي للشمس أعين ××× سواك يراها في مغيب ومطلع

    وسامح بؤساً لم يؤهل لحبهم ××× فما يحسن التخصيص في كل موضع

    فإن أغضب هذا المخلوق ربه ، فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه ، وذلك الرضا أعظم من ذلك الغضب ، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات ، فإنّه سبحانه أشدّ فرحاً بتوبة عبده من الفاقد لراحلته ، التي عليها طعامه وشرابه ، إذا وجدها في المفاوز المهلكات ، وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو اللعين ، فقد سرّه وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه ، وهذا الرضا أعظم عنده وأبرّ لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب .

    وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة ، فقد أرضاه توبته وإنابته ، وخضوعه وتذلله بين يديه وانكساره له .

    وإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله صلى الله عليه وسلم من حرمه وبلدته ذلك الخروج ، فقد أرضاه أعظم الرضا دخوله إليها ذلك الدخول .

    وإن أسخطه قتلهم أولياءه وأحبابه ، وتمزيق لحومهم ، وإراقة دمائهم ، فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها ، ولا أنعم ، ولا ألذّ في قربه وجواره .

    وإن أسخطه معاصي عباده ، فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة مغفرته وعفوه وبرّه وكرمه وجوده والثناء عليه بذلك ، وحمده وتمجيده بهذه الأوصاف التي حمده بها والثناء عليه بها ، أحب إليه ، وأرضى له من فوات تلك المعاصي ، وفوات هذه المحبوبات .

    واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله ، فهو عقد نظام الخلق والأمر ، والرب تعالى له الحمد كلّه بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه ، فما خلق شيئاً ، ولا حكم بشيء إلا وله فيه الحمد ، فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه وأمره ، حمداً حقيقياً يتضمن محبته والرضا به وعنه ، والثناء عليه ، والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به ، فتعطيل حكمته غير تعطيل حمده ... فكما أنه لا يكون إلا حميداً فلا يكون إلا حكيماً ، فحمده وحكمته كعلمه وقدرته ، وحياته من لوازم ذاته ، ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه ومقتضياتها وآثارها ، فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبرياءه وعظمته .

    18- محبته سبحانه أن يكون ملاذاً ومعاذاً لأوليائه :

    وفي هذا يقول ابن القيم : " كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح ، فمنها أنّه يعيذ وينصر ويغيث ، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون ، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ، ويعوذوا بهم ، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه :

    يا من ألوذ به فيما أؤمله ××× ومن أعوذ به مما أحاذره

    لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ××× ولا يهيضون عظماً أنت جابره

    ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله .

    والمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه ، وأن يعوذوا به ، كما أمر رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه ، وبذلك يظهر تمام نعمته على عبده إذا أعاذه وأجاره من عدوه ، فلم يكن إعاذته وإجارته منه بأدنى النعمتين ، والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين ، ويريهم نصره لهم على عدوهم ، وحمايتهم منه ، وظفرهم به ، فيا لها من نعمة كمل بها سرورهم ونعيمهم ، وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه .

    وما منهما إلا له فيه حكمة ××× يقصر عن إدراكها كل باحث

    الحكمة في بقاء إبليس إلى آخر الدهر :

    تحدث ابن القيم ، رحمه الله ، عن ذلك في ( شفاء العليل ) (5) ووضحه ، فمن ذلك :

    1- امتحان العباد :

    فمما ذكره رحمه الله تعالى : أنّ الله جعله محكّاً ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ، ووليّه من عدوه ، ولذا اقتضت حكمته إبقاءَه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ، ولو أماته لفات ذلك الغرض ، كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ، ولو أهلكهم ألبتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم ، فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر ، اقتضت امتحان أولاده من بعده به ، فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه ، وينحاز إليه من وافقه وولاه .

    2- وأبقاه مجازاة له على صالح عمله السابق :

    ومنها أنه لما سبق حكمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة ، وقد سبق له طاعة وعبادة ، جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر ، فإنه سبحانه لا يظلم أحداً حسنة عملها ، فأمّا المؤمن ، فيجزيه بحسناته في الدنيا والآخرة ، وأمّا الكافر ، فيجزيه بحسناته ما عمل في الدنيا ، فإذا أفضى إلى الآخرة ، لم يكن له شيء ، كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .

    3- أملى له ليزداد إثماً :

    وبقاؤه إلى يوم القيامة لم يكن كرامة في حقه ، فإنّه لو مات كان خيراً له ، وأخف لعذابه ، وأقل لشره ، ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه ، والقدح في حكمته ، والحلف على اقتطاع عباده ، وصدهم عن عبوديته ، كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه ، فأبقي في الدنيا ، وأملى له ليزداد إثماً ، على إثم ذلك الذنب ، فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره ، فيكون رأس أهل الشرّ في العقوبة ، كما كان رأسهم في الشر والكفر . ولما كان مادة كل شر فعنه تنشأ ، جوزي في النار مثل فعله ، فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ فيه ، ثم يسري منه إلى أتباعه عدلاً ظاهراً وحكمة بالغة .

    4- وأبقاه ليتولى المجرمين :

    ومن حكم إبقائه إلى يوم الدين أنّه قال في مخاصمته لربّه : ( أرأيتك هذا الذَّي كرَّمت عَلَيَّ لئن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريَّته إلاَّ قليلاً ) [ الإسراء : 62 ] . وعلم الله – سبحانه – أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره ، ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له ، وقال له بلسان القدر : هؤلاء أصحابك وأولياؤك ، فاجلس في انتظارهم ، وكلما مرّ بك واحد منهم فشأنك به ، فلو صلح لي ما ملكتك منه ، فإني أتولى الصالحين ، وهم الذين يصلحون لي ، وأنت ولي المجرمين من الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي ، قال تعالى : ( إنَّه ليس له سلطان على الَّذين آمنوا وعلى ربهم يتوكَّلون – إنَّما سلطانه على الَّذين يتولَّونه والَّذين هم مشركون ) [النحل: 99-100].

    فأما إماتة الأنبياء والمرسلين ، فلم يكن ذلك لهوانهم عليه ، ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ، ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم ، وليحيا الرسل بعدهم ، يري رسولاً بعد رسول ، فإماتتهم أصلح لهم وللأمة ، أما هم فلراحتهم من الدنيا ، ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور ، ولا سيما أنه قد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به .

    وأمّا الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة ، بل أطاعوهم بعد مماتهم ، كما أطاعوهم في حياتهم ، وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم ، بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم ، والله هو الحي الذي لا يموت ، فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمة . هذا وهم بشر ، ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام ، بل جعلهم خلائف في الأرض ، يخلف بعضهم بعضاً ، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ، ولضاقت بهم الأرض ، فالموت كمال لكل مؤمن ، ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ، ولا هناء لأهلها بها ، فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة .

    إلى أي مدى نجح الشيطان في إهلاك بني آدم ؟

    عندما رفض الشيطان السجود لآدم ، وطرده الله من رحمته وجنته ، وغضب عليه ولعنه ، أخذ على نفسه العهد أمام ربّ العزة بأن يضلنا ويغوينا ، ويعبدنا لنفسه : ( لَّعنة الله وقال لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مَّفروضاً – ولأضلَّنَّهم ... ) [النساء : 118-119] ، ( قال أرأيتك هذا الَّذي كرَّمت عليَّ لئن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريَّته إلاَّ قليلاً ) [الإسراء : 62] .

    فإلى أي مدى حقق الشيطان مراده من بني الإنسان ؟

    إن المسرّح نظره في تاريخ البشرية يهوله ما يرى من ضلال الناس ، وكيف كذبوا الرسل والكتب ، وكفروا بالله ربهم ، وأشركوا به مخلوقاته ، قال تعالى : ( وما أكثر النَّاس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] ، ولذا حق عليهم غضب الله وانتقامه : ( ثمَّ أرسلنا رسلنا تترا كلَّ ما جاء أمَّةً رَّسولها كذَّبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقومٍ لا يؤمنون ) [ المؤمنون : 44 ] .

    وفي الحاضر حيثما نظرنا أبصرنا أولياء الشيطان تعج بهم الحياة يرفعون رايته ، وينادون بمبادئه ، ويعذبون أولياء الله ، ويدلنا على مدى تحقيقالشيطان لمراده ، أن الله يأمر آدم يوم القيامة أن يخرج من ذريته بعث النار ، فلما يستفسر عن مقدار هذا البعث يقول له : تسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، وفي رواية : تسعمائة وتسعة وتسعون في النار ، وواحد في الجنة (6) .

    وبذلك يصدق ظنه في هذه الذرية التي لم تعتبر بما جرى لأبيها ، ولا بما جرى لأسلافها ، ويبقى هذا اللعين يقودها إلى هلاكها ، بل أحياناً تسابقه إلى الجحيم .

    وما أقبح أن يصدق ظن العدو في عدوه : ( ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنَّه فاتَّبعوه إلاَّ فريقاً من المؤمنين ) [ سبأ : 20 ] . قبيح الإنسان أن يتحقق فيه ظن الشيطان ، فيطيع هذا العدو ، ويعصي ربّه . ولقد بلغ الأمر حدّاً لا يوصف ولا يتصور ، فهذه طائفة في العراق وفي جهات أخرى تطلق على نفسها : عباد الشيطان ، وبعض الكتاب نراهم يحلفون ( بحق الشيطان ) ، فما أعجب أمرهم !

    لا تفكر بكثرة الهالكين :

    حريّ بالعاقل اللبيب أن لا يغتر بكثرة الهالكين ، فالكثرة ليس لها اعتبار في ميزان الله ، إنما الاعتبار بالحقّ ولو قَلّ عدد متبعيه .

    فكن من أتباع الحق الذين رضوا بالله ربّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، الذين عرفوا الشيطان وأتباع الشيطان ، فحاربوهم بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان ، وقبل ذلك بالالتجاء إلى الرحمن ، والتمسك بدينه .

    ( يا أيَّها الَّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّةً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مبين – فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أنَّ الله عزيز حكيم ) [ البقرة : 208-209 ] .

    نسأل الله أن يجعلنا بمنه وكرمه من الذين دخلوا في السلم دخولاً كلياً ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
    avatar
    السفير ابو وافد
    المدير العام
    المدير العام

    الاوسمه[img][/img]
    عدد المساهمات : 438
    نظام نقاط : 14898
    تاريخ التسجيل : 19/01/2011
    الموقع : http://almaqatra.mam9.com

    منقول رد: الحكمة من خلق الشيطان

    مُساهمة من طرف السفير ابو وافد في 30th أبريل 2011, 4:25 am

    موضوع بمنتهى الاهميه ومعلومات عن يجب ان نعرفها

    جزاك الله خير على هذا المساهمه الطيبه


    ___________________________
    راجع اليك يابلادي ياديار الهنا



    avatar
    سمراء العيون
    نائبة المدير العام
    نائبة المدير العام

    الاوسمه















    عدد المساهمات : 1287
    نظام نقاط : 17200
    تاريخ التسجيل : 02/02/2011

    منقول رد: الحكمة من خلق الشيطان

    مُساهمة من طرف سمراء العيون في 30th أبريل 2011, 7:25 pm


    شكراً على المرور الطيب

      الوقت/التاريخ الآن هو 20th أكتوبر 2018, 10:28 am